السيسي في موسكو: أبعد من الحنين

رشاد أبو شاور

لم يعلن المشير السيسي ترشحه لرئاسة مصر بعد، ولكن زيارته لموسكو قدمته مرشحاً، وهو ما التقطه الرئيس الروسي بوتين، لذا خاطبه في جلسة العمل يوم الخميس 13 شباط/فبراير الجاري: إن قراركم بالترشح للرئاسة قرار مسؤول جدا. أتمنى لكم باسمي وباسم الشعب الروسي النجاح.

لم تكن زيارة المشير السيسي وزير الدفاع، ووزير الخارجية نبيل فهمي، والوفد الإقتصادي والعسكري المرافق، مجرد (حنين) لزمن مضى، كما كتب بعض المعلقين، ربما استخفافاً بالزيارة، وتقليلاً من أهميتها، والتعامل معها كحدث عابر يمكن توظيفه لأهداف شخصيّة قريبة محدودة.

الشعب المصري قام (بثورتين)، خلع بهما الرئيس المزمن حسني مبارك الذي تحكم بمصر على مدى ثلاثة عقود، والرئيس الإخواني مرسي بعد عام من حكمه هو والإخوان، والذي ثارت عليه جموع قدّرت بثلاثين مليوناً في الـ(30) من يونيو، بدعم من الجيش، وبدور بارز (للفريق) السيسي الذي كان صاحب الدعوة لخروج الجماهير، وعلى ضوء ما جرى اعتبر السيسي (بطلاً) منقذا لمصر من حكم الإخوان.

(الثورتان) لا يمكن أن تبقيا مجرّد شعارات تتغنى بها الجماهير المصرية، بدليل أن (ثورة) يناير تبعتها ثورة يونيو، وهذا ما يترتب عليه أن تتحقق مطالب لجماهير الشعب المصري صاحب الشعار الكبير في ثورة يناير: عيش، حرية، عدالة إجتماعية، كرامة إنسانية.

من رفعوا أصواتهم منفجرين غضبا بعد طول قهر، يعرفون من حرمهم من (العيش)، ومن العدالة الإجتماعية، ومن شوّه المجتمع المصري، وبدد ثروات مصر، وفتح الأبواب للصوص ليغتنوا من (جوع) ملايين المصريين ونهب خيرات بلدهم.

يعرف شعب مصر بأكثريته الساحقة أن (السادات) بشّر بعصر (الإنفتاح)، وهو ما برزت بفضله شريحة (القطط السمان) الجشعة المتوحشة، وهذه الشريحة من محدثي النعمة قد ازدادت ثراء في زمن مبارك، في حين تفاقم فقر المصريين، بالترافق مع افتقادهم (للحريّة) و(الكرامة الإنسانية).

زيارة المشير السيسي لروسيا، وريثة الإتحاد السوفييتي، هي تلبية لمطلب مصري شعبي ذاق الأمريّن من (تتبيع) مصر للسياسة الأمريكية، بناء على خيار ساداتي بدأ بالتبشير بأن 99% من أوراق الحل هي في يد أمريكا.

كانت مسيرة السادات الأمريكية قد بدأت (بطرد) الخبراء السوفييت بشكل مهين واستعراضي، وهو ما كرّس انقلاب السادات على تراث جمال عبد الناصر، وسياسته التي كان أحد عناوينها، وثوابتها: نحارب من يحاربنا، ونصادق من يصادقنا.

كانت أمريكا، وما زالت، هي من تحارب مصر والعرب التواقين للحرية، عرب (عروبة فلسطين)، عرب (الوحدة العربية) و(الثورات العربية) المتفجرة آنذاك، وحالياً، في عديد الأقطار العربية.

انقلاب السادات، وترويجه لخطاب (أوراق الحل في يد أمريكا)، شكّل خروجا عن مسار، وانحيازا لخيار، ومقدمة لـ(كامب ديفد)، وإخراجا لمصر من دورها العربي، والأفريقي، والدولي، وهو ما كرسه مبارك من بعده على مدى ثلاثة عقود من الخراب والعزلة، وتخريب وبيع القطاع العام الذي عمّق حضور الطبقة العاملة المصرية، وصان استقلال مصر اقتصادياً، والذي مثّل التوجه (الاشتراكي) التقدمي لمصر الناصرية.

يعرف المواطن المصري العادي ما قدمه الإتحاد السوفييتي لمصر في الزمن الناصري الشجاع: التسليح بأقل الأسعار ثمنا، بناء السد العالي، إنشاء مئات المصانع، و(إعادة) تسليح جيش مصر بأحدث الأسلحة وأكثرها تطوراً بعد هزيمة حزيران67، ولا سيما حائط الصورايخ الذي بني بإشراف جمال عبد الناصر، وبه أسقطت طائرات العدو، واستظل به جيش مصر وهو يعبر القناة لتحرير سيناء.

زيارة المشير السيسي والوفد المرافق له، هي، وهذا ما يجب أن تكون عليه، خطوة كبيرة للخروج من تحت عباءة التبعية الأمريكية التي شلّت قدرات مصر وقزمتها وحبستها في أسر تبعية مهينة.

ملّ الشعب المصري من تهديد أمريكا الدائم بقطع (المعونات) الأمريكية لمصر، والتي، كما هو معروف، يذهب جًُلّها للجيش، ولا تسهم بشيء في الاقتصاد المصري (المريض)، ولا تنقذ مصر من (المديونية) التي أنهكت الاقتصاد المصري، وتقع أعباؤها على شعب مصر.

استقلال إرادة مصر ليس (حنيناً) لأيام خلت، ولكنه بداية لاستعادة زمن الكبرياء.

وحرية مصر في الحصول على السلاح الذي يحتاجه جيشها، وهو ما لا توفره أمريكا له، ليس شيئا من الحنين لأيام خلت، ولكنه حاجة ضرورية وملّحة لقوّة مصر وجيشها.

النهوض بصناعة مصر ليس حنيناً عاطفياً، ولكنه حاجة مصيرية حياتية، حاضراً ومستقبلاً لشعب مصر، ولاستقلال إرادة مصر، وتجديداً لطموحاتها في اللحاق بالدول التي كانت مصر تسبقها بصناعاتها في (الستينات)، وما أدراك، حقاً، ما ستينيات الكبرياء!

سياسة مصر كانت في الستينيات: الحياد الإيجابي، وعدم الانحياز.

وفي السبعينيات، والثمانينيات، وانظر إلى ما جرته من خراب، فهي (تبعية) لأمريكا، وانعدام شخصية، وذيلية تامة!

زيارة المشير السيسي هي تلبية لحاجات مصر ما بعد سقوط (مبارك)، و(إسقاط) مرسي، وهو ما يقتضي بروز خيارات سياسية واضحة، ثورية، تعيد مصر لمكانتها المحترمة، الفاعلة عربياً وأفريقياً ودولياً.

روسيا تعرف ما يحتاجه جيش مصر، هي التي سلحته من مصانعها في الخمسينات، والستينات، والسبعينات، وتعرف ما تحجبه أمريكا عنه، وتحرمه منه، ولذا قالت علناً للوفد المصري الكبير: لدينا أسلحة أكثر تطوراً وتفوقاً، وما لم يقل: وبأسعار (تفضيلية) و(ميسّرة)!

عندما خاطب الرئيس الروسي بوتين المشير السيسي مثنياً على قراره بالترشح للرئاسة، رغم أنه لم يعلنه رسمياً بعد، فإنه قال له: نحن معك، ندعم ترشحك، وهذا ما دفع الإدارة الأمريكية لإصدار موقف بدا عصبياً، وهو ما جاء على لسان المتحدثة بلسان الخارجية الأمريكية: إنه ليس من شأن الولايات المتحدة أو بوتين أن يقررا بشأن من يحكم مصر. القرار يعود للشعب المصري. (يا للنفاق الأمريكي: هل هذا الموقف ينطبق على سوريا مثلاً؟!).

ولأن أمور مصر ليست سهلة، وحاجاتها كبيرة، وشعبها ينتظر الكثير، فإن مجرّد زيارة رسمية لوفد رفيع لموسكو، ومحادثات عسكرية واقتصادية، لا تعني تغييراً جذرياً في (السياسة) التي تحكمت بمصر على مدى أربعة عقود.

الزيارة خطوة أوليّة، وقد تتبعها خطوات كبيرة، تذكر بما فعله القائد جمال عبد الناصر عندما توجه إلى الإتحاد السوفييتي، بعد أن رفضت أمريكا تسليح الجيش المصري، وحصل على صفقة السلاح (التشيكي) عام 1955.

هل يمكن لصفقة سلاح مصرية روسية، بمال سعودي، أن تشكّل بداية تحوّل استراتيجي؟. مصر تحتاج للكثير الكثير، وتنتظر ممن يتقدّم لقيادتها أن يتقدّم ببرنامجه الواضح لشعب مصر الذي لن يمشي وراء أي فرد (على العمياني)، وبالنوايا الطيبة.

18/2/2014