نهاية "الربيع العربي" النظام القديم قائم والتحول الديمقراطي بعيد المنال

القاهرة: وكالة الصحافة العربية

بعد ثلاث سنوات من الربيع العربي، تعتبر الأوضاع السائدة في هذه المنطقة مازالت مفصلية من حيث بعض الأضداد الثنائية. على رأسها تلاشي الأنظمة الجمهورية مقابل قوة النظام الملكي، أيضا العلمانية مقابل الفجوة الإسلامية، ولكن بعد هذه السنوات حان الوقت لتجاوز الاستقطابات المتعددة التي بات من الواضح أنها تركز على حقيقة أساسية واحدة، وهي انهيار أو شبه انهيار النظام الجمهوري في بعض الدول العربية، بينما الملكي تكوينه قائم ومستقر من دون تحريك، حتى بعد ثلاث سنوات من الاحتجاجات وإراقة الدماء في الجمهوريات، ومع ذلك مازال العالم العربي بعيداً عن إمكانية صعود أنظمة جديدة، أو الانتقال تجاه شيء يسمى الديمقراطية.

بول سالم مدير (مركز كارنيغي للشرق الأوسط) السابق قال: إن الأنظمة السياسية السابقة في الجمهوريات القديمة التي أسقطتها ثورات الربيع العربي كانت تتألف من حكومات إما عسكرية يحكمها سلالات النخبة، وإما وراثية قومية ما بعد الاستعمار التي كانت ثابتة في مواقفها وصعدت إلى السلطة بعد رحيلهم، لكن في كل الجمهوريات والممالك تظل النتيجة موحدة لتحقيق الهيمنة العسكرية، واحتكار الموارد الاقتصادية، أو إضافة دعم دولي خارجي، بجانب نوع من الشرعية القومية أو الدينية للأنظمة الحاكمة، لافتاً إلى أنه في الممارسة العملية لا توجد اختلافات هيكلية واضحة بين الجمهوريات والممالك، سواء بالنسبة إلى أشكال الحكومة التي تمارس السلطة من دون تمثيل حقيقي، كون الملك أو الرئيس هو الحاكم الفعلي، والجميع بعيد عن المساءلة، الشفافية، أو المساواة بين طبقات الشعب، في المقابل أصبحت الطبقات الحاكمة أكبر، لكن من دون محاولات حقيقية في أن تكون شاملة وعادلة، وتابع، حاول الحكام في كلا النظامين تحرير حكمهم، وإدخال نواب المعارضة إلى برلمانات شبه فارغة تفتقر إلى أي سلطة أو مراقبة، وتوسيع بيروقراطية الدولة لاستيعاب العاطلين عن العمل، بجانب تفكيك الاقتصادات المركزية والانفتاح في حملة نحو نموذج السوق النيوليبرالي، لكن ما يثير الدهشة أنه أخفى اقتصاد الخدمات وجعل الرأسمالية مبهمة، حيث ازدهر الفساد والمحسوبية في غياب الهياكل القانونية والشفافية، مؤكداً أن التوقعات كانت كبيرة بعد انتفاضة الشعوب الفقيرة في الجمهوريات، لكن الواقع يؤكد أن الانحدار في الواقع المعيشي والسياسي والاجتماعي مازال قائماً، عكس الملكيات التي يعيش أهلها على ثروة طائلة ولا توجد لديهم دوافع في تغيير أنظمتهم.

وفي رأي د. غالب قنديل مدير (مركز الشرق الجديد للدراسات السياسية)، أنه بعد تدمير أي مجتمع سياسي يظل غير مستقر لسنوات طويلة لحين ترسيخ نظام حكم جديد يرضي الأطراف الشعبية والثورية والسياسية كافة، ويظل هكذا غير قابل للاستمرار ومتأرجحاً على اليسار والوسط واليمين، وهذا الغموض أوجد فراغاً سياسياً في السلطة، استغلته جيداً الحركات الإسلامية الأكثر قوة وتنظيماً وتركز على قضايا وشعارات مثل أسلمة المجتمع، العودة إلى شريعة الله، وتنقية المشهد من الظلم القديم، وإعادة المعايير الإسلامية الغائبة، وتابع، طالما بقي الإسلام والتقوى عصا يرتكز عليها الإسلاميون في نضالهم مع الرؤساء والملوك العرب لن يكونوا بمنأى عن رياح التغيير السياسي، موضحاً أن كثيراً من الحكومات تسامحت مع بعض الاتجاهات الدينية أو المحافظة اجتماعياً مثل السلفية، وجماعة الإخوان المسلمين وفروعها التي تحمل نفس الفكر المتشدد في مصر يُنظر للسلفيين حالياً كبديل إسلامي متوازن لجماعة الإخوان التي فشلت في إدارة الدولة، وسقطت بعد عام واحد من الحكم، ومن هنا فإن تجربة الإخوان الضعيفة والبائسة قضت على أحلام الأنظمة الإسلامية التي كانت تأمل في الصعود في بلدان عربية مجاورة.

واتفق مع الرأي السابق د. سعيد اللاوندي خبير العلاقات الدولية بـ(مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية)، وأضاف: إن سعي كل الإسلاميين للسيطرة على حصتها في السوق السياسي بعد سقوط الأنظمة العربية، بما يعزز رأسمالية التقية التي قد تضمن النجاح لأصحاب المشاريع الإسلامية الناشئة حديثاً مكاناً على خريطة العالم العربي، لكن ظلت السياسة بعيدة المنال، وبقي هذا المجال يسيطر عليه الحرس القديم بشكل جيد، موضحاً أن القادة العرب من جميع الاتجاهات تسمى دوائرهم ليبرالية أو علمانية، لكن أصبح المردود حالياً إسلامياً بعد الثورات خوفاً من المواجهات مع الإسلاميين، لكن هذا أحدث شرخاً عميقاً بين ما يسمى بالدوائر الليبرالية والإسلامية، لوجود انقسام واختلاف أيديولوجي لا يمكن تجاوزه بين قادة هذه الأنظمة، ومع أن القوى الإسلامية مثل جماعة الإخوان المسلمين في مصر حاولت قبل الصعود إلى السلطة إخفاء الانشقاقات الأيديولوجية والفجوة العلمانية للإسلاميين، فإنها في كثير من الأحيان تكون بمثابة حفلة تنكرية، نظراً إلى أن العلمانيين والإسلاميين كانوا يحاولون الفوز السياسي وقيام أنظمة موالية للجانبين، لكن للأسف ترسيخ نظام سياسي بعد الثورات الشعبية لا ينفع معه حل وسط، وطالما ظلت الدوائر مقسمة فإن الحرس القديم سيجد له مكاناً بين الطرقات، ويمكن أن يلعب اللعبة القديمة "فرق تسد".

في حين أكد د. مصطفى اللباد مدير (مركز الشرق للدراسات الإقليمية والاستراتيجية بالقاهرة)، أن القوى الإسلامية لم تكن مصيراً صحيحاً للعالم العربي بعد ثورات الشعوب، ولكنها بالتأكيد ملأت الدنيا ضجيجاً بأنهم كانوا ضحايا الأنظمة السابقة التي أنشأتها قوى القمع والإقصاء لكل ما هو إسلامي أو معارض حقيقي، ومن هنا كانت الفجوة تفتيت الرأي العام العربي وضمان صعود أنظمة إسلامية جديدة من شمال إفريقيا إلى شبه الجزيرة العربية، حيث تخدم الإسلاموية أغراضاً مهمة وفق أجندتها الدولية والدول الراعية لصعودها في السلطة، تماماً كما حدث مع إخوان مصر التي لاقت دعماً لا محدوداً من قبل قطر وتركيا ومن قبلهما أمريكا، لكن تم كبح جماح هذا الفصيل الإسلامي عندما أصبح خطراً على الأنظمة المجاورة وليس المجتمع المصري فقط، لافتاً إلى التضاد بين العلمانية والإسلامية وهذا الانقسام والاختلاف الديني حول المنطقة أصبح مصيراً لا مفر منه، وبدأت تتكشف أوراقه في كل ركن من أركان العالم العربي، وتميل إلى الظهور في المجتمعات الشيعية المتنوعة مثل إيران، سوريا، العراق، لبنان والبحرين، تقابلها دول إسلامية سنية على رأسها مصر والسعودية، ومع ذلك تظل هذه الطوائف ضعيفة التأثير كثيرة المؤيدين منغمسة في أروقة السلطة في محاولة لاستخدامها ضد الخصوم السياسيين، أو قمعها لإرضاء الدوائر الانتخابية.

أما د. علي الصاوي أستاذ العلوم السياسية بـ(جامعة القاهرة)، فيرى أن التفاوض على السلطة أثناء الاضطرابات الشعبية رسخت هذه التضاريس المعقدة والطائفية التي من الممكن أن تؤدي إلى مشاكل تراكمية داخل العالم العربي، ووقتها لن يشعر المواطن بالتغيير أو بنجاح ثورته، نظراً إلى أن النظام الجديد سيأتي وفق رؤى النظام القديم، بما يحقق فائدة ومصلحة والطرفين، كما حدث في اليمن مثلاً، كما أن الفجوة الحقيقية ليست بين الأغلبيات والأقليات، بل على الحكم الاستبدادي والألعاب السياسية الغامضة التي تنطوي على هذه العملية، موضحاً أنه بالكاد يمكن أن توصف الأنظمة العربية إما سنية أو شيعية، ناهيك عن الجماعات الأخرى، حيث هناك شك كبير حول التزامهم بتعزيز مصالح خاصة بهم، لكن يبقى تركيز الجماعات الحاكمة الرئيسي على إبقاء قبضتهم على السلطة والموارد وأعمالهم التجارية الخاصة بهم، وبالتالي ليس من المستغرب بعد ذلك أن أولئك الذين كانوا يعارضون سابقاً يستخدمون نفس الأسلوب القديم عندما يصعدون إلى السلطة، ويبقى إيجاد الخلاص في الدين أسلوب فعال لتحقيق غايات سياسية واقتصادية، لافتاً إلى أنه قبل أن نبدأ اختراع الحلول السحرية لمنطقة تعاني من نتائج أنظمة سياسية قديمة، لابد من تحديد الأسباب الحقيقية التي حالت دون التحرك نحو سياسة مستقرة، ناهيك عن غياب الديمقراطية التي لا تساعد على الاستمرار في تلاوة مجموعة من الأضداد الثنائية المذكورة سابقاً، ولذلك أصبحت الحاجة ملحة لتأسيس أنظمة عربية قادرة على تحقيق تطلعات شعوب الثورات، وهذا لا يعني استبدال حاكم بآخر، لكنه يعني تغييراً هيكلياً لاستبدال الأسس والمعايير الضيقة التي يبني من خلالها صعود أنظمة جديدة، وأي شيء أقل من هذا لن يكون غير مجدٍ، وستطول أمد المواجهات، وربما كانت الثورات العربية مجرد جولة أولى من الماراثون الثوري الذي بدأ بالفعل قبل ثلاثة أعوام.

6/1/2014