متفرقات لمناسبة 23 شباط 1966

عقاب يحيى

في دفاتري كلام كثير عن 23 شباط. عن تجربة البعث. عن الأخطاء في البنية الديولوجية، والشعارات والممارسة. عن الانقلاب الذي توهمناه ثورة وأردنا إقحامه عنوة بتلك المفاهيم الكبيرة. عن العسكر والخجل من إعلان أنهم الحاكم الفعلي. عن الحزب المأزوم (المفرفط) منذ قبول حله ثمنا للوحدة وشروط عبد الناصر. وما عرفه من هلهلة وتمزق، ثم محاولات لملمة بفعل زخم عمل الحزب في العراق ثم وصوله للسلطة هناك في 8 شباط 1963. وإسباغ قيادة الحزب الشرعية على انقلاب عسكري شارك فيه الضباط البعثيون إلى جانب الناصريين والمستقلين. والتحوّل من حالة مهمشة لم يتجاوز فيها عدد المنظمين البعثيين صبيحة الثامن من آذار الـ(500) عضو، على مقولة الحزب الواحد، القائد، الرافض لأي مشاركة سياسية أخرى، وتضخّم الشعارات، والمهام وفق ذلك الحداء العاطفي الذي طغى على فترة الخمسينات. بينما كانت نار التباين، والخلاف، والصراع، تسري تحت وفوق الرماد، وعبر تصفيات متتالية، كانت 23 شباط 1966، أهم محطاتها العلنية البارزة.

في دفاتري نقد عميم، ودقيق لأفكار البعث، والحركات القومية، تجاوز الممارسة إلى صلب الأفكار الرئيسة: أمهات القضايا، كمحاولة للمراجعة، وتسليط الضوء على بنية الأزمة فيها، وبحثاً عن تجديد الفكر والخطاب، وتسليط هواء نقي فيها، يعيدها إلى الجوهر: الديمقراطية والتعددية، التي لم يكن البعث في منشأه بعيداً عنها، بل كانت مكرّسة في تأسيسه ودستوره وممارسته، قبل أن يعتلي العسكر دبابات التغيير، ويفرضوا عليه الانضواء تحت أجنحتهم، وقبل أن يتبنى الشعارات الرائجة أيامها، المستوردة في معظمها من "المنظومة الاشتراكية وقائدها"، بغض النظر عن التشابه والاختلاف في الظروف والقوى، والمعطيات.

في الدفاتر تلك نظرة نقدية قديمة، هي بكل موضوعية من أقدم المحاولات النقدية التي جرت في الحركات والأحزاب، حين أسقطنا بوعي وإيمان مقولة الحزب الواحد - القائد، والتزمنا بالعمل الجبهوي - على قدم المساواة مع الآخرين - وبالديمقراطية نهجاً، وحاضنة، وأسلوب حياة وحكم.

وحين تناولت كتاباتنا بجرأة مهمة مسارات الأوضاع في داخل الحزب والحكم، وموقع الصراعات الداخلية من جوهر الانتماءات الفكرية، أو غيرها، و23 شباط بما لها وعليها. وما آلت إليه، وأزمة البعث التاريخية بل الحكم وبعده، والعسكر ومواصفاتهم، واليسار واليمين والموضعات والحقائق، والطائفية والمذهبية والجهوية وغيرها، ومواقعها، واستناداتها، وحزيران ومسارها ونتائجها، وآثارها، والأسد وظهوره، وقصة المواجهة وفصولها، وكثير من أحداث مهمة، بما فيها فلسطين والذي جرى لها بعد الهزيمة، والقرار (242) والموقف منه، ومذابح الأردن والدخول لنجدة المقاومة، ووفاء عبد الناصر الفجائية، وإعلان الردة رسمياً في سورية ومصر، وذلك المسار الطويل الذي أوصلنا للتوريث، ومنه لما يجري في بلادنا، من فظائع، وجرائم، وكلها توسم بأنها باسم البعث، وبراياته، وتحت شعاراته، وما بقي منه، حتى لو كان الذي بقي (كمشات) انتهازيين، وقطعان طائفية مسعورة، ما زالت تحفظ وتردد لازمات الحزب عندما تحتاجها.

وكان الأهم، وما يزال، الوقوف الشجاع عند تلك التجارب ليس لإثخانها بالسهام، وهي بالأصل جريحة حتى النزيف الشامل، بل لاستخلاص الدروس، ولبحث إمكانية التجديد، إن كانت لها مقومات الحياة.

الجهد هنا، أو عمليات النقد لا يمكن أن تقتصر على البعثيين وتجاربهم وحسب، وإن كانوا معنيين أولاً بما جرى في سورية والعراق، بل يجب أن تمرّ على عموم الحركات القومية، والوطنية، ناصرية كانت، أو من القوميين العرب، وسواهما، عل ذلك يحفر مجرى التلاقي في نهر الحياة القادم، ويكون لهم دورهم، ومساحتهم التي يستحقون في حاضر ومستقبل البلاد والوطن.

الجزائر 23/2/2014