احتفظوا بـ"مساعداتكم" واخرسوا

السيد زهره

في أمريكا مجموعة تطلق على نفسها (مجموعة العمل عن مصر) تضم عدداً من الذين يعتبرون أنفسهم خبراء في شئون مصر، يرأسها المدعو

(مايكل دين) من (مؤسسة كارنيجي) و(روبرت كاجان) من (مؤسسة بروكنجز).

هذه المجموعة وجهت مؤخراً خطاباً طويلاً إلى الرئيس الأمريكي أوباما عن الأوضاع والتطورات في مصر، وعن موقف الإدارة الأمريكية منها.

ما جاء في هذا الخطاب يستحق التوقف عنده، فهو نموذج للتفكير الأمريكي المختل والعنصري المريض إزاء ما يحدث في مصر.

في خطابهم، ينتقد هؤلاء سياسة أوباما تجاه مصر، ويعتبرون أنه لا يتخذ موقفاً حازماً ضد ما أسموه "النكوص عن الديمقراطية في مصر".

ويتحدثون بصفة خاصة عما يسمونه الحملات على أعضاء وأنصار الإخوان المسلمين في مصر. ويقولون أن ما يحدث في مصر سيقود إلى مفاقمة عدم الاستقرار وتدهور الاقتصاد.

وتطالب هذه المجموعة الإدارة الأمريكية بأن تستخدم نفوذها لممارسة الضغوط على مصر من أجل "الحريات والإصلاح". كما يدعون الإدارة إلى أن تتجنب تقديم أي دعم غير مشروط للجيش المصري.

ويحدد خطاب هذه المجموعة قائمة طويلة من الخطوات التي يجب أن تطالب الإدارة الأمريكية مصر بالإقدام عليها. منها مثلاً، ضرورة إنهاء الحملات ضد الذين يعارضون الجيش والحكومة الانتقالية. ومنها، الإفراج عن المعتقلين السياسيين، والسماح للكل بالمشاركة في الحياة العامة.

ومن مطالبهم بصفة خاصة أن تضغط الإدارة الأمريكية من أجل وقف الحملات الإعلامية على أمريكا وعلى منظماتها.

وتقول هذه المجموعة في خطابها أن الإدارة الأمريكية يجب أن تستخدم ورقة المساعدات التي تقدمها إلى مصر وكذلك الضغوط الدبلوماسية من أجل: "إرسال رسالة واضحة إلى مصر حول نوع المستقبل الذي تريد أمريكا أن تشجعه في مصر". ويقولون أنه يجب وقف هذه المساعدات إذا لم تستجب مصر وتقوم بتلبية هذه المطالب.

كما نرى، هذا الخطاب يأتي في سياق الموقف الأمريكي العام الذي أصبح معادياً لمصر والشعب المصري، والداعم للجماعات الإرهابية وما تقوم به.

ولنا أن نتأمل الجوانب التالية:

1 – هذه المجموعة تعطي لنفسها ابتداء الحق في أن تقرر هي، وأن تقرر أمريكا بصفة عامة، ما يجوز وما لا يجوز في مصر، وما يجب أن تفعله أو لا تفعله الحكومة المصرية والشعب المصري.

وهذا مبدئياً أمر في منتهى السخف والعنصرية السافرة. فالشعب المصري هو الذي يقرر مستقبله، وهؤلاء، أو أي أحد آخر في أمريكا ليس له أي حق في أن يتدخل في هذا الشأن.

2 – وهذه المجموعة في خطابها الطويل جداً، لم تأت ولو بكلمة واحدة على ما تواجهه مصر اليوم من إرهاب وعمليات إرهابية إجرامية يسقط ضحيتها أبرياء، وتهدف إلى اشاعة الفوضى وعدم الاستقرار.

هذه المجموعة لا تتستر فقط على هذا الإرهاب وتتجاهله تماماً، كما لو كان أمراً تافهاً لا يستحق الذكر، بل أنها لا تتورع عن تشجيعه عملياً، وذلك بدفاعهم المستميت عن جماعة الإخوان التي تمارس هذا الإرهاب، والمطالبة بعدم ملاحقتهم وإطلاق سراح السجناء منهم.

هذا الجانب في حد ذاته يفضح هؤلاء، كما يفضح كل الموقف الأمريكي في مصر الذي يدعم عملياً الإرهاب والجماعات الإرهابية ويشجع على الفوضى.

3 – وهذه المجموعة تطلب من إدارة أوباما، وبمنتهى الصفاقة والغباء، أن تنصب نفسها وصياً على مصر، وأن تحدد لمصر الخطوات التي يجب أن تتبعها، وتمارس الضغوط عليها لإجبارها على ذلك.

هذا، عدا أنه بلطجة علنية، ينم عن غباء مطلق وجهل تام بما يجري في مصر.

هم يعلمون أن إدارة أوباما أصلاً، ومن دون حاجة إلى خطابهم هذا تدعم الإخوان المسلمين وإرهابهم في مصر، ويعلمون أن إدارة أوباما حاولت فعلاً ممارسة الضغوط على مصر لصالح الإخوان. لكن أمريكا فشلت فشلاً ذريعاً في أن تجبر مصر على شيء، ذلك أن الشعب المصري قرر وقبل فترة طويلة التصدي لكل هذه التدخلات الأمريكية في شئونه، ووقف أمريكا عند حدها، وقرر المضي قدما فيما قرره لنفسه ومستقبله.

الأمر الغريب هنا أن هذه المجموعة، كما المسئولين الأمريكيين وكل من يعادي مصر في أمريكا، حين يتحدثون بهذه العنصرية والصفاقة ويطالبون بالضغط على مصر، لا يجدون ما يهددون به مصر سوى التهديد بوقف المساعدات الأمريكية.

وهذا أمر في منتهى الغرابة. لماذا؟

لأنهم يعلمون أن هذه المساعدات التي يتصورون أنها سلاحهم الأكبر للضغط على مصر، لا تستفيد مصر منها أصلاً إلا الفتات، وأغلب هذه المساعدات تعود إلى المؤسسات والشركات الأمريكية ولا تصل إلى مصر أساساً.

الأهم من هذا، أنه منذ فترة طويلة، ومنذ أن اتضحت أبعاد التآمر الأمريكي على مصر، أعلن المصريون أنهم لا يريدون هذه المساعدات، وطالبوا بوقفها.

ولهذا، من الغريب ومن الغباء أن يظلوا في أمريكا يتحدثون طوال الوقت عن التهديد بقطع المساعدات للضغط على مصر كأداة ضغط وابتزاز.

الأمر بسيط جداً. احتفظوا بمساعداتكم هذه، واخرسوا، احتفظوا بها، ولا تنطقوا بكلمة واحدة بعد ذلك عن مصر ولا تدسوا أنوفكم في شئونها.

بقي أن نشير إلى أننا تحدثنا عن هذه المجموعة وخطابها ليس لأن لها شأناً مهماً أو أن موقفها مؤثر، ولكن لأن ما فعلته يعطي فكرة واضحة عن المناخ العام السائد في أمريكا اليوم المعادي لمصر والدول العربية، ويكشف عن تآمرهم الذي لا يتوقف على بلادنا.

18/2/2014